محمد بن جرير الطبري
278
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
يعرفونه ، حتى انتهى إلى صاحب الطعام ، فسامه بطعامه ، فقال صاحب الطعام : هات ورقك فأخرج إليه الورق ، فقال : من أين لك هذ الورق ؟ قال : هذه ورقنا وورق أهل بلادنا فقال : هيهات هذه الورق من ضرب فلان بن فلان منذ ثلاث مئة وتسع سنين أنت أصبت كنزا ولست بتاركك حتى أرفعك إلى الملك . فرفعه إلى الملك ، وإذا الملك مسلم وأصحابه مسلمون ، ففرح واستبشر ، وأظهر لهم أمره ، وأخبرهم خبر أصحابه فبعثوا إلى اللوح في الخزانة ، فأتوا به ، فوافق ما وصف من أمرهم ، فقال المشركون : نحن أحق بهم هؤلاء أبناء آبائنا ، وقال المسلمون : نحن أحق بهم ، هم مسلمون منا . فانطلقوا معه إلى الكهف فلما أتوا باب الكهف قال : دعوني حتى أدخل على أصحابي حتى أبشرهم ، فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل فبشرهم ، وقبض الله أرواحهم . قال : وعمى الله عليهم مكانهم ، فلم يهتدوا ، فقال المشركون : نبني عليهم بنيانا ، فإنهم أبناء آبائنا ، ونعبد الله فيها . وقال المسلمون : نحن أحق بهم ، هم منا ، نبني عليهم مسجدا نصلي فيه ، ونعبد الله فيه . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال : إن الله تعالى بعثهم من رقدتهم ليتساءلوا بينهم كما بينا قبل ، لان الله عز ذكره ، كذلك أخبر عباده في كتابه ، وإن الله أعثر عليهم القوم الذين أعثرهم عليهم ، ليتحقق عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعد طول مدتها بهيئتهم يوم رقدوا ، ولم يشيبوا على مر الأيام والليالي عليهم ، ولم يهرموا على كر الدهور والأزمان فيهم قدرته على بعث من أماته في الدنيا من قبره إلى موقف القيامة يوم القيامة ، لان الله عز ذكره بذلك أخبرنا ، فقال : وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها . واختلفت القراء في قراءة قوله : فابعثوا أحدكم بورقكم هذه فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة وبعض العراقيين بورقكم هذه بفتح الواو وكسر الراء والقاف . وقرأ عامة قراء الكوفة والبصرة : بورقكم بسكون الراء ، وكسر القاف . وقرأه بعض المكيين بكسر الراء ، وإدغام القاف في الكاف ، وكل هذه القراءات متفقات المعاني ، وإن اختلفت الألفاظ منها ، وهن لغات معروفات من كلام العرب ، غير أن الأصل في ذلك فتح الواو وكسر الراء والقاف ، لأنه الورق ، وما عدا ذلك فإنه داخل عليه طلب التخفيف . وفيه أيضا لغة أخرى وهو الورق ، كما يقال للكبد كبد . فإذا كان ذلك هو الأصل ، فالقراءة به إلي أعجب ، من غير أن تكون الاخريان مدفوعة صحتهما ، وقد ذكرنا الرواية بأن الذي بعث معه بالورق إلى المدينة كان اسمه يمليخا . وقد :